سميح دغيم
550
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
البتّة . وإذا كان كذلك كان قوله : القادر هو الذي يصحّ منه الفعل والترك قولا مشكلا . ولهذا الكلام مزيد غور . ( مطل 3 ، 11 ، 12 ) - ما المراد من قولكم ( المعتزلة ) : إنّ القادر يجب أن يصحّ صدور الفعل منه ؟ إن أردتم به : أنّ القادر هو الذي يصحّ صدور الفعل عنه بمجرّد كونه قادرا ، فهذا عين ما وقع النزاع فيه . فإنّ عندنا مجرّد كونه قادرا لا يكفي في صحّة صدور الفعل عنه ، بل ما لم ينضمّ إليه الداعي ، فإنّه يمتنع صدور الفعل عنه ، فقولكم : بأنّ مجرّد كونه قادرا ، يكفي في صحّة صدور الفعل عنه عين محل النزاع . وإن أردتم به : أنّ القادر هو الذي لا يصحّ صدور الفعل منه عند انضمام الداعي إليه ، فهذا مسلّم ، إلّا أنّ هذا القدر لا يدلّ على أنّ مجرّد كونه قادرا يكفي في صحة صدور الفعل عنه ، فيثبت أن هذا الكلام مغالطة محضة . ( مطل 3 ، 41 ، 4 ) - الفرق بين القادر وبين الموجب حاصل من وجهين : الأول : إنّ القادر حال حصول الداعية الجازمة في حقّه يجب صدور ذلك الأثر عنه ، مع كونه عالما بكونه مصدرا لذلك الأثر ، والموجب ليس كذلك . والفرق الثاني : إنّ الموجب بالطبع موصوف بصفة واحدة موجبة لا أثرا واحدا ولا تتغيّر تلك الصفة وتلك الطبيعة البتّة ، ولا يختلف حالها في الإيجاب . وأمّا القادر حال حصول الداعية الجازمة في قلبه ، فإنّه يجب صدور ذلك الأثر عنه ، إلّا أنّ تلك الداعية سريعة الزوال ، سريعة الانقراض والانقضاء ، وعند زوال تلك الداعية المعيّنة يزول ذلك الأثر المعيّن ، وعند حصول الداعي إلى ضدّ ذلك الفعل ، يصير مصدر الضدّ ذلك الأثر . والإنسان إذا جرّب نفسه ، واعتبر أحوال فعله وتركه ، علم بالضرورة : أنّ الأمر كما ذكرناه ، فإنّه إذا حصلت الداعية الخالية الجازمة عن القيود ، والمعارض في قلبه ، صار كالملجإ إلى ذلك الفعل . وإذا فرت تلك الداعية ، صار تاركا لذلك الفعل . ( مطل 3 ، 59 ، 16 ) - إنّ القادر لا يمكنه ترجيح أحد المثلين على الآخر ، إلّا لداعية مرجّحة . ( مطل 3 ، 100 ، 10 ) - اعلم أنّ أهمّ المهمّات في هذه المسائل البحث عن محل الخلاف . فنقول : لا شكّ أنّ القادر هو الذي يصحّ منه الفعل . وهذه الصحة ليست نفس تلك الذات المخصوصة ، لأنّ المفهوم من هذه الصحة قد يعلمه من لا يعلم حقيقة تلك الذات المخصوصة . وأيضا : العالم هو الذي يكون له شعور بذلك الشيء ، وتبيّن به . وقد عرفت أنّ معنى الشعور والإدراك والتبيين لا يحصل البتّة إلّا عند حصول نسبة مخصوصة بين ذات العالم وبين المعلوم . وهذه النسب والإضافات المسمّاة بالتعلّق لا بدّ من إثباتها ، وإلّا فيمتنع الاعتراف بكونه تعالى قادرا عالما ، فإن كان المراد بقولنا : إنّه تعالى عالم وله علم . وقادر وله قدرة هذا المعنى فذلك مما لا سبيل البتّة إلى إنكاره ، وإن كان معنى العالم هو الذات الموصوفة بهذه النسبة الخاصة ، ومعنى القادر هو الذات الموصوفة بتلك الصحّة المخصوصة ، كان نفي هذه النسب ، وهذه الإضافات نفيا لكونه عالما قادرا . وإن كان